صديق الحسيني القنوجي البخاري

260

فتح البيان في مقاصد القرآن

والآخر قوله تعالى : يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ [ المائدة : 67 ] . لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ أي لا تهتم ولا تبال بهم فإني ناصرك عليهم وكافيك شرهم ، والحزن خلاف السرور ، وحزن الرجل بالكسر فهو حزن وحزين وأحزنه غيره ، قال اليزيدي حزنه لغة قريش وأحزنه لغة تميم وقد قرىء بهما . وفي الآية النهي له صلى اللّه عليه وآله وسلم عن التأثر لمسارعة الكفرة في كفرهم تأثرا بليغا على أبلغ وجه وآكده ، فإن النهي عن أسباب الشيء ومباديه نهي عنه بالطريق البرهاني وقطع له من أصله ، لأن اللّه سبحانه قد وعده في غير موطن بالنصر عليهم ، والمسارعة إلى الشيء الوقوع فيه بسرعة ، والمراد هنا وقوعهم في الكفر بسرعة عند وجود فرصة ، وآثر لفظ فِي على لفظ إلى للدلالة على استقرارهم فيه ، والمسارعون هم اليهود ، قاله ابن عباس . مِنَ الَّذِينَ قالُوا من بيانية والجملة مبيّنة للمسارعين في الكفر ، وهؤلاء الذين قالوا : آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ بألسنتهم وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ هم المنافقون ، قاله ابن عباس ، والمعنى أن المسارعين في الكفر طائفة من المنافقين وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا أي وطائفة من اليهود قال الزجاج الكلام تم عند قوله هذا ثم ابتدأ الكلام بقوله : سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ وهذا راجع إلى الفريقين أو إلى المسارعين ، واللام في قوله للكذب للتقوية أو لتضمين السماع معنى القول ، وقيل معناه من الذين هادوا قوم قائلون الكذب من رؤسائهم المحرفين للتوراة سَمَّاعُونَ أي لكلام رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لأجل الكذب عليه لِقَوْمٍ آخَرِينَ وجهوهم عيونا وجواسيس لهم لأجل أن يبلّغوهم ما سمعوا من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . قال الفراء : ويجوز سماعين كما قال ملعونين أينما ثقفوا ، والحاصل أن هؤلاء القوم من اليهود لهم صفتان سماع الكذب من أحبارهم ونقله إلى عوامهم ، وسماع الحق منك ونقله إلى أحبارهم ليحرفوه . لَمْ يَأْتُوكَ صفة لقوم أي لم يحضروا مجلسك وهم طائفة من اليهود كانوا لا يحضرون مجلس رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم تكبرا وتمردا وقيل هم جماعة من المنافقين كانوا يتجنبون مجالس رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ الذي في التوراة كآية الرجم أي يزيلونه ويميلونه أو يتأولونه على غير تأويله والمحرفون هم اليهود ، قال القسطلاني في إرشاد الساري : وقد صرح كثير بأن اليهود والنصارى بدلوا ألفاظا كثيرة من التوراة والإنجيل وأتوا بغيرها من قبل أنفسهم ، وحرفوا أيضا كثيرا من المعاني بتأويلها على غير الوجه . ومنهم من قال إنهم بدلوهما كليهما ، ومن ثمّ قيل بامتهانهما ، وفيه نظر إذ